التزام الناقل البحري ينقضي بتسليم البضاعة إلى مقاول التفريغ - الشركة الليبية للموانئ هي المكلف بعمليات التفريغ والنقل والتخزين والمناولة
القاعدة
وإن كان التزام الناقل في عقد النقل البحري التزاماً بتحقيق نتيجة، إلا أنها نتيجةٌ تتحقق بتفريغ البضاعة المشحونة في الميناء المقصود وتسليمها إلى مقاول التفريغ. بهذا التسليم ينقضي التزامه تجاه الشاحن، فلا تمتد مسؤوليته إلى تخزينها بالمستودع العام، ولا إلى مناولتها من طرفه إلى أصحابها. بل إن هذا ممتنعٌ عليه أصالةً بسبب دخوله في أعمال إدارة الميناء وتشغيله التي أوكلها القانون إلى الشركة الليبية للموانئ وحدها. ومن ثم فلا يصح إلزامه بعمل ممتنعٍ عليه ولا تحميله مسؤوليةً عن ضرر لا يدَ له في تفاديه ما دام أنه أوفى بالتزامه بتسليم البضاعة سليمة في ميناء التفريغ إلى المقاول المختص باستلامها وحفظها ومناولتها.
الشركة الليبية للموانئ هي المكلف قانوناً بعمليات التفريغ ونقل البضائع إلى المخازن وتخزينها بها ثم مناولتها إلى أصحابها، ولا يحق لغيرها، بمن فيه الشاحن والناقل، أن يباشر شيئاً من ذلك. لهذا فإن تفريغ الناقل للبضاعة سليمةً على رصيف الميناء المتفق عليه في وثيقة الشحن واستلام الشركة الليبية لها يعدُّ تسليماً تنفصم به علاقته بالبضاعة، وتنتهي عنده مسؤوليته تجاه الشاحن لتبدأ به مسؤولية هذه الشركة في حراسة البضاعة حتى استلام صاحبها لها وفق الإجراءات المحددة قانوناً.
ملخص القضية
أقام المطعون ضده الأول (شركة ...) الدعوى ...-2017 أمام محكمة ... الابتدائية، مختصمَاً الطاعنَ (شركة ... للتوكيلات الملاحية) والمطعونَ ضده الثاني (الشركة الليبية للموانئ) بما مجمله أنه كان قد استورد شحنة بحرية من لحوم الدجاج المجمد معبأة في 19 حاوية مبرَّدة، وصلت ميناء ... بتاريخ 23-5-2016، وأودعت مخازن المدعى عليه الأول (المطعون ضده الثاني). تحصل على إذن بالإفراج عن إحداها بتاريخ 27-7-2016، وعن ثانية بتاريخ 8-8-2016. وأثناء إجراءات الإفراج عنهما، فُتحتا بحضور المستلم ومندوبٍ عن الجمارك وآخر عن مكتب الأغذية والأدوية فكانت اللحوم فاسدة بسبب ارتفاع درجة حرارة الحاويات وانقطاعات التيار الكهربائي، ما حمل مكتب الأغذية على رفض الإفراج عنها لعدم صلاحيتها للاستهلاك البشري. وخلص إلى طلب إلزام الشركتين متضامنتين بدفع قيمة اللحوم الفاسدة، وغرامة التأخير، ومصاريف أمر التسليم والتفتيش الصحي والإعدام والنقل، والتعويض عن الإضرار المادية والمعنوية.
قضت المحكمة برفض الدعوى، فاستأنف المطعون ضده الأول الحكم أمام محكمة استئناف ...، فقضت بإلغاء الحكم المستأنف، وبإلزام الطاعن بأن يدفع للمستأنف ... تعويضاً عما لحق البضاعة من ضرر، وبرفض الدعوى ضد المدعى عليه الأول. وهذا هو الحكم المطعون فيه.
المسألة والرأي
حيث إن الطعن حاز الأوضاع الشكلية المقررة، فهو مقبول شكلاً.
حيث إنه مما ينعى به الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون من الوجهين الآتيين:
الأول: لم يردَّ على دفع جوهري. فقد دفع الطاعن (الشركة الناقلة) بانتهاء المسؤولية عن الأضرار بتمام تسليمه الشحنة عند وصول السفينة إلى مقاول الشحن والتفريغ (المطعون ضده الثاني، الشركة الليبية للموانئ)، التي يتمثل دورها، وفق قانون إنشائها، في صعود أفرادها السفينة فور إرسائها، وفي استلام الشحنة بشكل أوليّ من الناقل بعد تسجيل ملاحظاتهم عليها وعلى مدى مطابقة حالتها للمثبت في وثيقة الشحن قبل البدء في تفريغها. وحيث إن هذه الشركة استلمت البضاعة دون إثبات ملاحظات، فإن مسؤولية الناقل تكون منتفية لانتهاء عقد النقل البحري بالتسليم إلى هذه الشركة باعتبارها مقاول التفريغ والنائب عن المرسل إليه في استلام البضاعة، وهو ما قررته المحكمة العليا في الطعون المدنية: 22/21ق؛ 426/44ق؛ 205/41ق.
الثاني: دفع الطاعن برفض الدعوى لعدم توجيه التحفظ الكتابي المنصوص عليه بالمادة 218 من القانون البحري، فكان ردُّ المحكمة أن عدم التحفظ ليس إلا قرينة بسيطة على انتفاء مسؤولية الطاعن التي ثبت عكسُها بتقرير مركز الرقابة على الأغذية وتقرير المعاين البحري اللذين أثبتا أن جزءاً من بضاعة الحاويتين وصل فاسداً. وهذا القول خلاف المدون في التقريرين. ثم إن إجراءات مكتب الأغذية كانت لاحقة لتاريخ التفريغ بسبعة وسبعين يوماً. أضف إليه أن مكلفاً من المطعون ضده الأول عاينها في الوقت نفسه وأثبت أن التلف نتيجة تذبذب التيار الكهربائي وانقطاعه فترات طويلة بالميناء.
وحيث إن هذين النعيين في مجملهما سديدان؛ ذلك أن المادة 211 من القانون البحري تنص على أن أحكام هذا القانون المتعلقة بعقد النقل البحري تنطبق على النقل البحري من حين شحن البضائع على متن السفينة حتى تفريغها في المكان المقصود، وأنه بموجب نصي المادتين الثانية والعاشرة من القانون 21 لسنة 1985 بتأسيس شركة مساهمة للموانئ، صارت الشركة الليبية للموانئ هي المختصة بإدارة الموانئ والمنائر وملحقاتها وتشغيلها وصيانتها، وبتوفير معدات التشغيل ووسائل النقل داخل الميناء، وبشحن البضائع الواردة والصادرة والعابرة، وبتفريغها وتخزينها ومناولتها، وذلك لقاء مقابل يدفعه المستفيد. وتفصِّل المادة 20/3، 4، 15 من لائحة عوائد المناولة والتخزين والخدمات بالموانئ البحرية الصادرة بقرار اللجنة الشعبية العامة 733 لسنة 1987 خطوات التسليم والاستلام والتفريغ، وتفصح عن أن غايتها بيان البضاعة المفرغة وحالتها قبل التفريغ وحصرها في محضر خاص يوقِّع عليه الناقل والميناء تحديداً للمسؤولية عن التلف والضرر الذي قد يكون لحق البضاعة، وتلزم الطرفين على توقيع كشف بالتسليم والاستلام.
وحيث إن مفاد ذلك أن التزام الناقل في عقد النقل البحري، وإن كان التزاماً بتحقيق نتيجة، إلا أنها نتيجةٌ تتحقق بتفريغ البضاعة المشحونة في الميناء المقصود وتسليمها إلى مقاول التفريغ. وبهذا التسليم ينقضي التزامه تجاه الشاحن، فلا تمتد مسؤوليته إلى تخزينها بالمستودع العام، ولا إلى مناولتها من طرفه إلى أصحابها. بل إن هذا ممتنعٌ عليه أصالةً بسبب دخوله في أعمال إدارة الميناء وتشغيله التي أوكلها القانون إلى الشركة الليبية للموانئ وحدها، ومن ثم فلا يصح إلزامه بعمل ممتنعٍ عليه ولا تحميله مسؤوليةً عن ضرر لا يدَ له في تفاديه ما دام أنه أوفى بالتزامه بتسليم البضاعة سليمة في ميناء التفريغ إلى المقاول المختص باستلامها وحفظها ومناولتها.
وإذ كان ما تقدم، وكانت الشركة الليبية للموانئ هي المكلفَ قانوناً بعمليات التفريغ ونقل البضائع إلى المخازن وتخزينها بها ثم مناولتها إلى أصحابها، وكان لا يحق لغيرها، بمن فيه الشاحن والناقل، أن يباشر شيئاً من ذلك، لهذا فإن تفريغ الناقل للبضاعة سليمةً على رصيف الميناء المتفق عليه في وثيقة الشحن واستلام الشركة الليبية لها يعدُّ تسليماً تنفصم به علاقته بالبضاعة، وتنتهي عنده مسؤوليته تجاه الشاحن لتبدأ به مسؤولية هذه الشركة في حراسة البضاعة حتى استلام صاحبها لها وفق الإجراءات المحددة قانوناً.
ولا ينال من ذلك التحدي بانعدام العلاقة التعاقدية بين الشاحن ومقاول التفريغ؛ فما العقد بمصدر التزام هذا المقاول، وإنما هو القانون الذي أناط به دون غيره الاختصاص بالأعمال والخدمات المشار إليها ولقاء مقابل، فجعله بهذه الوظيفة نائباً نيابة قانونية عن صاحب البضاعة في مباشرة تلك العمليات ومسؤولاً عنها أمامه.
لما كان ذلك، وكانت مسؤولية الطاعن (الناقل) العقدية تنقضي بتمام تفريغ بضاعة الشاحن (المطعون ضده الأول) في ميناء الوصول واستلام المطعون ضده الثاني لها، فإنه لا يكون بعد ذلك مسؤولاً عن الضرر الذي يلحقها ما لم يثبت للمحكمة حصوله قبل انتقالها من حوزته. وحيث إن هذا لم يتحقق، ومع هذا قضت المحكمة المطعون في حكمها بمسؤولية الطاعن عن الضرر المكتشف بعد التفريغ والاستلام، فإن حكمها يكون معيباً بالقصور بما يستوجب نقضه.
ولا يشفع للمحكمة في ذلك دعامةٌ غير صحيحة أقامت عليها قضاءها. فردُّها عما دفع به الناقل من سلامة البضاعة أثناء التسليم لعدم تحفُّظ المستلم عليها لا أصل له في الأوراق، إذ أوردت أن "هذه القرينة [الاستلام بلا تحفظ] ليست قاطعة بل هي قرينة بسيطة يجوز إثبات عكسها. وقد أثبت المستأنف من خلال تقرير مركز الرقابة على الأغذية وتقرير المعاين البحري أن جزءاً من البضاعة التي في الحاويتين قد وصلت فاسدة." وهو قولٌ منها غيرُ صحيح ولا أساس له في التقريرين اللذين أرفق الطاعن والمطعون ضده الأول كلاهما صورتيهما مشهداً عليهما بالمطابقة للمرفقين بملف الدعوى، فقد اقتصرت النتيجة في الأول على عدم صلاحية البضاعة للاستهلاك البشري، وفي الثاني على فسادها وعدم صلاحيتها للاستهلاك البشري، ودون أي إشارة في الاثنين إلى وقت نشوء الفساد.
النتيجة
الحكم في الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه، وبإحالة القضية إلى محكمة استئناف ... لنظرها مجدداً من هيئة أخرى، وبإلزام المطعون ضدهما المصاريف.


أضف تعليقاً